ابن العربي

786

أحكام القرآن

وإنما قال مالك هذا لوجهين : أحدهما - أن جماعة من المفسرين روت عن عائشة ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أن الطّوفان هو الموت . وحقيقة الطوفان - وهو الثاني - أنه مصدر من طاف ، أو جمع ، واحدته طوفانة ، فقد قال سبحانه « 1 » : فَطافَ عَلَيْها . . . الآية . الآية التاسعة - قوله تعالى « 2 » : وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ . فيها مسألتان : المسألة الأولى - الفاحشة قد تقدم بيانها ؛ وإنما ذكر اللّه هذه المعصية ، وهي إتيان الرجال باسم الفاحشة ليبيّن أنّها زنا ، كما قال « 3 » : وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً . المسألة الثانية - أخبر اللّه تعالى عنهم بأنهم لما ارتكبوا هذه الفاحشة أرسل عليهم حجارة من سجّيل جزاء على فعلهم . وقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال « 4 » : الأول - أنه يعزّر ؛ قاله أبو حنيفة . الثاني - قال الشافعي وجماعة : يحدّ حدّ الزاني ، محصنا بجزائه وبكرا بجزائه . الثالث - قال مالك : برجم أحصن أو لم يحصن ؛ وقاله ابن المسيب والنخعي وعطاء وجماعة . أما من قال : إنه يعزّر فتعلّق بأن هذا لم يزن ، وعقوبة الزاني معلومة ؛ فلما كانت هذه المعصية غيرها وجب ألّا يشاركها في حدّها . وأما من قال : إنه زنا فنحن الآن نثبته مع الشافعي ردّا على أبي حنيفة الذي يجعله بمنزلة الوطء بين الفخذين ، فيقول : قد بينا مساواته للزنا في الاسم ، وهي الفاحشة ، وهي مشاركه له في المعنى ، لأنه معنى محرّم شرعا ، مشتهى طبعا ؛ فجاز أن يتعلّق به الحدّ إذا

--> ( 1 ) سورة القلم ، آية 19 . ( 2 ) الآية الثمانون . ( 3 ) سورة الإسراء : 32 ( 4 ) وارجع إلى القرطبي : 7 - 243 .